20/08/2026
المرونة المائية في العراق: من إدارة الموارد إلى بناء منظومة قادرة على الصمود.؟
في العراق، لا ينبغي النظر إلى مفهوم المرونة باعتباره فكرة نظرية أو إطاراً عاماً للتعامل مع تغير المناخ، بل يمكن تحويله إلى منهج وطني لإدارة المياه والموارد الطبيعية والتنمية.
فالعراق يواجه منظومة متشابكة من الضغوط: تراجع الموارد المائية، ارتفاع درجات الحرارة، تزايد الجفاف، تغير أنماط الأمطار، تدهور الأراضي، ارتفاع الطلب على المياه، ضعف كفاءة الاستخدام، وتحديات إدارة مياه نهري دجلة والفرات والمياه الجوفية. كما أن المخاطر لا تتوقف عند ندرة المياه، إذ يمكن أن تتزامن فترات الجفاف مع الأمطار الشديدة والفيضانات، مما يجعل إدارة المياه بحاجة إلى قدرة مستمرة على التوقع والاستجابة والتكيف. وتشير التقييمات المناخية الحديثة للعراق إلى أن المياه والزراعة والنظم البيئية والبنية التحتية تقع في قلب هشاشة البلاد المناخية.
من هنا يمكن أن يصبح "مدى مرن" إطاراً عملياً للعراق، يقوم على بناء منظومة وطنية للمرونة المائية والمناخية، لا تركز على زيادة مصادر المياه فقط، وإنما على قدرة الدولة والمجتمع والاقتصاد والبيئة على التعامل مع عدم اليقين المائي.
وتبدأ هذه المنظومة من المياه، باعتبارها الأساس الذي ترتبط به الزراعة والأمن الغذائي والطاقة والصحة والتنمية والاستقرار الاجتماعي.
ثم تأتي البيئة باعتبارها جزءاً من الأمن المائي نفسه. فالأهوار والأنهار والمياه الجوفية والأراضي الزراعية ليست مجرد موارد قابلة للاستغلال، وإنما أنظمة طبيعية تؤدي وظائف أساسية في حفظ التوازن البيئي ودعم المجتمعات. وقد أكدت وزارة البيئة العراقية في عام 2026 أن كميات المياه المتاحة لا تزال دون المستوى المطلوب لتحقيق الاستعادة المستدامة الكاملة للنظم البيئية.
أما الزراعة، فينبغي أن تنتقل من مفهوم زيادة المساحات المزروعة إلى مفهوم زيادة الإنتاجية المائية، من خلال الري الحديث، وإدارة الطلب، واختيار المحاصيل الملائمة للمناخ، وتحسين التربة، وإعادة استخدام المياه حيثما كان ذلك آمناً وممكناً.
وتصبح الحوكمة عنصراً مركزياً في هذه المنظومة. فالمرونة لا يمكن أن تتحقق من خلال المشاريع الهندسية وحدها، وإنما تحتاج إلى مؤسسات قادرة على التنسيق واتخاذ القرار بناءً على البيانات، وتحديد الأولويات، وإدارة الأزمات، وضمان عدالة توزيع المياه بين المحافظات والقطاعات والمستخدمين.
وهذا الاتجاه ينسجم مع النقاش المؤسسي الجاري في العراق حول إنشاء مجلس وطني للمياه ووضع سياسة وطنية موحدة لحماية الموارد المائية وإدارتها وتوزيعها بصورة عادلة.
كما أن المجتمع المحلي يجب أن يكون شريكاً في بناء المرونة، وليس مجرد مستفيد من الخدمات. فإشراك المزارعين ومستخدمي المياه والسلطات المحلية في إدارة الموارد يمكن أن يحول إدارة المياه من عملية مركزية إلى منظومة تشاركية أكثر قدرة على الاستجابة للمشكلات المحلية. وتوجد بالفعل تجارب حديثة في العراق لتفعيل جمعيات مستخدمي المياه وتعزيز الإدارة المجتمعية للموارد.
أما المعرفة والبيانات والتكنولوجيا، فهي تمثل البنية العصبية للمرونة. يحتاج العراق إلى منظومة وطنية متكاملة للبيانات المائية والمناخية، تربط القياسات الهيدرولوجية والجوفية والمناخية مع الاستشعار عن بعد والنمذجة والتنبؤ والذكاء الاصطناعي، بحيث تنتقل القرارات من رد الفعل إلى الاستباق.
وفي هذا السياق، يمكن أن تصبح السدود والخزانات وشبكات الري ومحطات معالجة المياه جزءاً من منظومة مرنة متكاملة، تُدار وفق توقعات الأمطار والتدفقات والطلب والمخاطر، وليس وفق قواعد تشغيل ثابتة فقط.
وتحتاج المرونة العراقية كذلك إلى ربط المياه بالصرف الصحي وإعادة الاستخدام. فالمياه التي تدخل المدن وتخرج منها كمياه صرف لا ينبغي أن تكون نهاية دورة المياه، وإنما يمكن، بعد المعالجة المناسبة، أن تصبح مورداً إضافياً للزراعة والصناعة والاستخدامات البيئية. وتشير بيانات العراق الحديثة إلى وجود فجوة في معالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها، ما يجعل هذا المجال أحد المكونات المهمة لتعزيز الأمن والمرونة المائية.
كما ينبغي أن تمتد المرونة إلى المياه الجوفية، من خلال مراقبة مستوياتها ونوعيتها ومعدلات التغذية والسحب، ومنع الاستنزاف غير المنظم، وربط استخدامها بخطط المياه السطحية والمناخ والزراعة.
وفي البعد الوطني الأوسع، يجب أن ترتبط المرونة المائية بـ المرونة الاقتصادية والاجتماعية. فالمزارع الذي يفقد المياه يفقد جزءاً من دخله، والمجتمع الذي تتراجع فيه الخدمات المائية يواجه مخاطر صحية واجتماعية، والمدينة التي لا تستعد للجفاف أو الفيضانات تتحمل تكاليف اقتصادية أكبر.
لذلك فإن الاستثمار في المرونة ليس تكلفة إضافية، بل هو استثمار في تقليل تكلفة الأزمات المستقبلية.
والهدف النهائي ليس أن يمتلك العراق المزيد من المياه فقط، وإنما أن يمتلك نظاماً قادراً على إدارة المياه المتاحة بكفاءة وعدالة واستدامة، مهما تغيرت الظروف المناخية والهيدرولوجية والاقتصادية.
وهنا يمكن أن يتحول مفهوم "مدى مرن" في العراق إلى إطار وطني يجمع بين:
المياه + المناخ + البيئة + الزراعة + الصرف الصحي + الطاقة + الحوكمة + التكنولوجيا + المجتمع + العدالة.
إن المرونة التي يحتاجها العراق ليست مرونة قطاع واحد، بل مرونة منظومة وطنية كاملة.
ومن ثم فإن السؤال لم يعد فقط: كمية المياه التي يمتلكها العراق بل أصبح السؤال الأهم:
هل يمتلك العراق منظومة قادرة على إدارة المياه التي ستكون متاحة له، والتكيف مع ما لا يمكن التنبؤ به، وحماية الإنسان والاقتصاد والبيئة في الوقت نفسه؟
وهنا تبدأ المرونة الحقيقية.
17/08/2026
15/08/2026
14/08/2026
11/08/2026
11/08/2026
07/08/2026
02/08/2026
31/07/2026